واصف جوهرية

29

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

مواصلة صداقة والدي مع أولاد المغفور له الحاج سليم حسيني توسعت الصداقة والثقة المتبادلة ما بين والدي وأولاد الحاج سليم موسى كاظم باشا وحسين هاشم والحاج شريف زمن المغفور له الحاج سليم فكانوا وعلى الأخص حسين هاشم لا يعملون إلا بأفكاره بجميع ما يتعلق بشؤونهم الخاصة في المدينة وفي أملاكهم في القرى . كنت أنا وأخواتي وإخواني نقضي كل فصل الصيف غالبا في قرية دير عمرو التابعة إلى حسين أفندي وقد امتلكها بمساعدة والدي حتى كنا نفتقد بكل تأكيد أنها خاصة ملكا لوالدي لما كان عليه من حرية في التصرف بكل ما يمت في دير عمرو بصلة . وإني أذكر نبذة عن هذه الخربة لتبين للقارئ مدى الأخوة الصادقة ما بين والدي وحسين أفندي . كان والدي كما سبق وقلت في مستهل كتابي هذا محاميا في صباه وقد امتاز بصفته مسيحيا محاميا لدى المحاكم الشرعية في القدس للمسلمين « 1 » وله مواقف طريفة في هذا الموضوع عندما كانت المحاكم المدنية مفقودة في ذلك الوقت ، وكان زميلا له الشيخ أسعد الشقيري من عكا إلا أنه كان يزاحمه في أشغاله وقد صادف بأن الشيخ أسعد الشقيري زار الإستانة وحصل على وظيفة قاض شرعي للمحكمة الشرعية بالقدس وهكذا أرسل هذه البرقية باسم والدي يقول فيها : " جريس أفندي الجوهرية - القدس ، تعينت قاضيا للقدس . حمّد " اضطر والدي أن يترك القدس وكانت حالته المادية في بحبوحة فذهب إلى خربة دير عمرو وكانت خربة في كل ما في هذه الكلمة من معنى فرفع غرفتين فوق راوية قريبة على القسم العالي من قمة الجبل ، وزرع الأشجار حولها وقد وجد ما يقرب من إحدى عشر بئرا محفورة بالصخر ربما تكون رومانية فنظمها ونظفها حتى أصبحت ملآنة بالماء . ثم اكتشف في قعر الواد الواقع من الجهة الجنوبية من الدار ( خبص من الماء ) وعليها قليلا من النحل وهكذا أخذ بعض معلمين البناء من [ أبناء ] طائفة الروم [ تحديدا ] يعقوب وسليم وقسطندي فاشة ونجح بوجود مياه ليست قليلة تنقط من سقف مغارة فجمع المياه بواسطة قناة مفتوحة داخل المغارة وهو منظر في منتهى الجمال ثم أخرج المياه إلى خارج هذه المغارة بواسطة ماسورة تصب في بركة من الحجر الأحمر المسمسم بمساحة خمسة أمتار بخمسة ولها سلم حجري للنزول إلى قاعها عند اللزوم فكنا نجلس حول هذه البركة فرحين والجبال الشاهقة المحيطة بنا ، ومن هذه البركة تتسرب المياه للبساتين والجناين الكائنة من الجهة الشرقية لها بمنحدر طبيعي بواسطة أربعة مفاتيح ، وقد أنشأ غرفة خاصة للمسؤول عن هذه البساتين وكان اسمه خليل الياسيني من قرية دير ياسين وإخوانه كما سيجيء البحث عن نكاته الطريفة ، وسميت هذه المياه " بالعين الجديدة " وله طريقين الواحدة كما يقولون " مقربنة " قريبة للدار ولكنها صعبة ووعرة والأخرى سهلة وطويلة تمر عن خربة الصفير من الجهة الشرقية لخربة دير عمرو . ثم زرع كرما من العنب المختلف الأنواع على قمة الجبل غربي الدار وعمل مصطبة خاصة خلف الدار كان يجلس عليها مع حسين أفندي ويشربا الأركيلة في الصباح الباكر في أيام الصيف . أما الديوان المعد للقضاء عندما كان يحضر حسين أفندي من القدس مخصصة

--> ( 1 ) يبدو أن المقصود أن والد واصف كان يمثل المسيحيين في الشؤون التي تمت إلى المحاكم الشرعية بصلة .